طلاق

روماني مكرم

بعد ما تبرعت بكليتي لحماتي، وبعد يومين بس جوزي قدّملي ورق الطلاق… وبعدها دخل الدكتور وقال جملة واحدة جمدت اللي في الأوضة كلهم.
فوقت على صوت جهاز مراقبة القلب وهو بيصفر بشكل ثابت، وطعم المطهر المر في بُقي. جنبي كان مولّع بألم تقيل، مش حاد، بس مستمر… النوع اللي بيفكّرك مع كل نفس إن في حاجة اتشالت من جسمك ومش هترجع تاني.

فوقت على صوت جهاز مراقبة القلب وهو بيصفر بشكل ثابت، وطعم المطهر المر في بُقي. جنبي كان مولّع بألم تقيل، مش حاد، بس مستمر… النوع اللي بيفكّرك مع كل نفس إن في حاجة اتشالت من جسمك ومش هترجع تاني.

حاولت أفتح عيني بالعافية. السقف الأبيض فوقي كان باين ضبابي، والإضاءة قاسية. استوعبت ببطء

أنا فين… المستشفى. العملية خلصت.
اتبرعت بكليتي لحماتي.

افتكرت كلام جوزي قبل العملية بيوم، وهو ماسك إيدي: “إنتي بتعملي حاجة عظيمة… ماما عمرها ما هتنسى ده.”

كنت مصدقاه. كنت فاكرة إن ده هيقرّبنا أكتر كعيلة. إن التضحية دي هتخلّي البيت أهدى، وأحن.

لفّيت راسي بالعافية، لقيت جوزي واقف عند طرف السرير، وشه جامد مش مفهوم. مفيش ابتسامة، مفيش لهفة… ولا حتى راحة. حكايات رومانى مكرم

قلت بصوت مبحوح: “العملية… نجحت؟ مامتك كويسة؟”

هز راسه بسرعة. “آه… العملية نجحت.”

استنيت كلمة شكر، حضن، أي حاجة. لكنه طلع ظرف بني من تحت دراعه وحطه على الترابيزة جنبي.

قلبي نزل في رجلي. “إيه ده؟”

بلع ريقه وقال بدون ما يبص في

عيني: “دي… أوراق الطلاق.”
افتكرت إني لسه تحت تأثير البنج، ويمكن بحلم. ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة. “إنت بتهزر؟ مش وقته خالص.”

لكن ملامحه ما اتحركتش. “لا. الموضوع منتهي من فترة. وأنا… أنا مرتبط بحد تاني.”

الكلام دخل ودني بطيء، زي المية الباردة. جسمي كله اتشد، والجرح وجعني أكتر. “يعني… استنيت لما أتبرع بكليتي لأمك… وبعدها طلّقتني؟”

سكت. وده كان أسوأ من أي إجابة.

في اللحظة دي باب الأوضة اتفتح، ودخل الدكتور ومعاه الممرضة. بص علينا بسرعة، وحس إن الجو مش طبيعي.

قرب من السرير، وبص في الملف، وبعدها قال جملة واحدة خلت الأوضة كلها تسكت،

بص الدكتور لجوزي بجمود، وبعدها بصّلي ورجع بص في الملف اللي في إيده تاني،

وقال بنبرة هادية بس كانت زي الرصاص:
**”يا مدام، إحنا فتحنا الملف الطبي لحماتك وراجعنا عينات الأنسجة الأخيرة.. والكلية اللي حضرتك اتبرعتي بيها، جسمها رفضها تماماً في أقل من ساعة وماتت، واضطرينا نشيلها فوراً بعملية تانية طارئة عشان حياتها ما تضيعش.”**
الأوضة فجأة مابقاش فيها صوت غير صوت جهاز القلب اللي زادت ضرباته مع صدمتي. جوزي، اللي كان لسه رامي ورق الطلاق ببرود، وشه اتقلب ألوان، لدرجة إن الورقة وقعت من إيده على الأرض.
الدكتور كمل وهو بيعدل نضارته: “للأسف يا أستاذ، والدتك لسه محتاجة متبرع جديد وبأسرع وقت.. بس المرة دي لازم يكون من الدرجة الأولى، لأن جسمها طلع عنده حساسية نادرة لأي نسيج غريب، وماظنش إننا هنلاقي حد يضحي تاني بسهولة.”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *