فنجان قهوه
حكايات ميرا
في الطابق الخمسين، كان آدم يقف أمام النافذة. قال عمر: “لو فيكتور هو اللي وراء الموضوع، يبقى لازم نتصرف بحذر.” “عارف.” “ممكن يكون بيحاول يوقعك في حاجة أكبر.” أجاب آدم: “عشان كده مش هواجهه.” التفت إليه. “هنخليه يفتكر إننا مش عارفين.”
في مساء اليوم نفسه، وصل آدم إلى منزله. كان المنزل هادئًا بشكل مبالغ فيه. خلع سترته، ووضعها على الكرسي. ثم أخرج هاتفًا احتياطيًا. وصلته رسالة من عمر: “فيكتور قابل دانيال هاربر من ساعتين.” قرأ آدم الرسالة مرة. ثم مرة أخرى. وجاءته رسالة ثانية: “وعندنا تسجيل صوتي للمكالمة.” فتح آدم الملف. في البداية، لم يكن هناك سوى أصوات سيارات. ثم ظهر صوت فيكتور: “لازم الموضوع يخلص قبل نهاية الأسبوع.” صوت دانيال: “والتحويل؟” “هيتم بعد ما آدم يوقّع.” تجمد آدم. صوت دانيال: “ولو اكتشف؟” ضحك فيكتور. “مش هيكتشف.” ثم انقطع التسجيل. جلس آدم ببطء. الصفقة التي كان يحاول إتمامها لم تكن مجرد استحواذ. كانت هناك شركة وهمية في المنتصف. وكان فيكتور ودانيال يخططان لتحويل مئات الملايين من أموال الشركة إليها. لكن الشيء الذي لم يفهمه آدم بعد… هو لماذا أدخلوا سلمى في الموضوع.
في صباح اليوم التالي، وصلت سلمى إلى عملها. وجدت ظرفًا أبيض موضوعًا على مكتبها. فتحت الظرف. كان بداخله مبلغ من المال. وتحت المال ورقة صغيرة. كتب عليها: “لو عايزة تحافظي على شغلك، انسَي اللي حصل.” تجمدت يدها. نظرت حولها. لم يكن هناك أحد. ثم وجدت شيئًا آخر داخل الظرف. صورة لابنتها ليان أمام المدرسة. شحب وجه سلمى بالكامل. لم يكن التهديد موجّهًا إليها وحدها. كانوا يعرفون ابنتها. وفي اللحظة نفسها، رن هاتفها. رقم مجهول. ترددت قبل أن تجيب. ثم قالت: “ألو؟” جاءها صوت رجل هادئ: “إنتِ شوفتي حاجة ما كانش المفروض تشوفيها.” ابتلعت سلمى ريقها. “مين إنت؟” “مش مهم.” “لو سمحت، ابعد عن بنتي.” ضحك الرجل. “إذن أنتِ فهمتي.” أغلقت سلمى الهاتف بسرعة. جلست على الكرسي، وبدأت أنفاسها تتسارع. ثم اتصلت بشخص واحد فقط. آدم منصور. رن الهاتف مرتين. ثم جاء صوته: “سلمى؟” قالت وهي تحاول منع دموعها: “أنا محتاجة أقابلك.” سكت آدم لحظة. “حصل إيه؟” قالت: “هما يعرفوا بنتي.” اختفت كل ملامح الهدوء من صوته. “مين؟” “مش عارفة.” ثم أضافت: “بس بعتولي صورتها.” وقف آدم من مكانه فورًا. “إنتِ فين؟” “في الشغل.” “اقفلي باب مكتبك.” “ليه؟” قال آدم بصوت حازم: “لأن من اللحظة دي، ما تثقيش في أي حد حواليكي.” ثم أغلق الهاتف. وفي نفس اللحظة، دخل عمر المكتب. قال: “آدم…” لكن آدم قاطعه: “عايز كل حراسة الشركة تتوجه لمكان سلمى فورًا.” تردد عمر. “هي حصل لها إيه؟” نظر آدم إليه. وقال: “الناس اللي حاولوا يسرقوا شركتي…” ثم أمسك سترته. “…دلوقتي هددوا واحدة ما لهاش أي ذنب.” تغيرت ملامح عمر. “وده معناه إيه؟” قال آدم: “معناه إن اللعبة اتغيرت.” ثم خرج مسرعًا. لأنه لأول مرة منذ سنوات… لم يكن خائفًا على أمواله. كان خائفًا على سلمى. وعلى ابنتها. والأسوأ من ذلك… أنه بدأ يشعر أن الأمر لم يعد مجرد رد جميل مقابل كوب قهوة. بل شيئًا آخر لم يكن مستعدًا للاعتراف به بعد.