ورق وقلم
زهره الربيع
جنة ابتسمت ابتسامة خفيفة أوي، وعينيها دمعت، وقالت بصوت أضعف: “أنا كنت خايفة أموت قبل ما تعرف… إن أنا بحبك يا بابا.”
وفجأة… وأنا ماسك إيدها وببوسها، دخل ظابط الشرطة الأوضة ووراه عسكري، وبصلي بملامح جادة وقال: “ستاذ عزيز… إحنا وصلنا لمكان (سهيلة) والراجل اللي معاها بعد تقفي الأثر والتسجيلات… بس فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما نروح نسلمهم للمحاكمة.”
رفعت رأسي للظابط والدموع مغرقاني، صوابعي لسه متشبثة بإيد “جنة” اللي بدأت تدفى بالتدريج. كانت عينيها مثبتة عليا بتعب، بتبصلي بذهول كأنها مش مصدقة إن أبوها ماسك إيدها وبيعيط عشانها.
رديت على الظابط بصوت مخنوق ومكسور: “حاجة إيه يا باشا؟ أنا مش عايز غير إن الحق يرجع، والست دي تتحاسب على كل لحظة عذاب عاشتها البنت دي بسببها وبسبب خيانتها.”
الظابط قرب خطوتين، طلع ملف أسود من تحت دراعه وهز رأسه بأسى: “سهيلة والراجل اللي معاها ما أخدوش فلوسك وعاشوا بيها مبسوطين زي ما كنت فاكر… ربنا حط عدله في الدنيا قبل الآخرة. الراجل ده صب عليها ألوان العذاب بعد ما هربت معاه، أخد منها الدهب والفلوس وطردها في الشارع بعد سنتين بس. وهي دلوقتي محجوزة في مستشفى حريمي في المحافظة المجاورة، أسراب الأمراض نهكت جسمها، وعايشة على التبرعات، والراجل اللي هربت معاه محبوس من خمس سنين في ق\ضية تجارة مخدرات.”
سمعت الكلام وكأن حد صب عليا مية نار. تبسمت بمرارة وشفت عظمة ربنا وقدرته؛ العدالة العصبية اللي كنت فاكر إنها غايبة، كانت شغالة طوال السنين دي، بس أنا اللي كنت أعمى بالغل والكراهية ووجهت غضبي للضحية البريئة اللي تحت إيدي.
بصيت لـ “جنة” ولقيت دموعها بتنزل ببطء على خدها الشاحب. رفعت إيدها بتعب ومسكت طرف كمي، وقالت بصوت مكسور كأنه همس الريح: “بابا… بلاش تؤذيها… هي أمي في الأول والأخر، وأنا حاميتك عشان ما تتوجعش، مش عشان هي تتأذي.”
الكلمات دي كانت زي الطعنة في صدري. البنت اللي اتنحرمت من الأكل، واللي كانت بتبيت في الضلمة، واللي صوابعها اتخرمت من خياطة الجزمة المقطوعة عشان تحميني… لسه فيها طهر يخليها تسامح الأم اللي رمتها في الجحيم ده كله!
نزلت على ركبي جنب السرير وبست إيدها ورجلها قدام الظابط والدكاترة والممرضات اللي كانوا واقفين يمسحوا دموعهم. صرخت وأنا بنتحب: “أنتِ إيه يا بنتي؟! أنتِ بني آدمة زينا ولا ملاك نازل من السماء يكسر قسوتنا؟! أنا كنت الشيطان يا جنة… أنا اللي استاهل أترمى في النار مكان أي حد ثاني!”