حكايات رومانى مكرم
وقفت في نص الصالة، ودموعي نازلة زي المطر، قولت بصوت مكسور: “يا حاج رفعت.. وعهد الله أنا كنت بشيل القرشين لزوم الزمن، وقولت أهو كله لبيتي ولعيالي وعيال نادية.. أنا مكلتش حاجة، الفلوس في البوسطة زي ما هي ومعايا كارت الإيداع أهو!”
نادية وقفت فجأة وصوتها هز الحيطة: “فلوس إيه اللي لزوم الزمن يا صباح؟! أنتِ ذلتيني! كنتِ بتخليني أغسل السجاد وأمسح السلم وأنا رجلي ورمانه، وتتأخري عليا في الأربعة آلاف وتقوليلي (العيشة غليت يا نادية واحمدي ربنا إنك لاقية لقمة)! كنتِ بتاكلي عرق جبيني بفلوس أخويا وتعملي عليا الهانم المحسنة! أنا مش عاوزه فلوس.. أنا عاوزه حقي من كرامتي اللي تفت ف الأرض تحت رجليكي!”
خالد مسك التليفون وقال بخبث: “ومش بس كده يا حاج رفعت.. رجب موظف البوسطة لسه مكلمني ومكلم مصطفى، وبلّغنا إن صباح معاها دفتر توفير مخبية فيه سبعين ألف جنيه فكة من ورا مصطفى، وكان بتساومه وتدفعه فلوس عشان يسكت!”
هنا عقلي طار.. رجب الكلب لما قفلت السكة في وشه، راح بلغ خالد ومصطفى عشان ينتقم مني ويطلع هو البطل! قولت بصراخ وعياط: “رجب كداب يا خالد! رجب كان بيتصل بيا يبتزني ويطلب خمسة آلاف جنيه عشان يسكت، ولما رفضت راح فتن عليا!”
الحاج رفعت ضرب بعصايته على الأرض وقال بحدة: “بس! مش عاوزين كلام نسوان.. رجب حسابه بعدين والمحكمة تحاسبه لو مرتشي، لكن أنتِ يا صباح.. الفلوس اللي في البوسطة دي هتتصفى بكرة الصبح وتتسلم لنادية يد بيد قدامنا هنا في المندرة.. وإلا وعهد الله، خالد هيروح بكرة الصبح يعمل فيكي بلاغ خيانة أمانة بالوصولات، وقسيمة طلاقك هتوصلك على القسم!”
بصيت لنادية ورميت نفسي تحت رجليها، مسكت العباية بتاعتها وأنا بصرخ: “بوس إيدك يا نادية.. سامحيني.. وعهد الله هردلك كل مليم، بس بلاش حبس وبلاش فضحية قدام أهلي، أبويا لو عرف هيموتني!”
نادية شدت عبايتها من إيدي بقسوة ودارت وشها الناحية التانية وهي بتعيط.
خالد قرب مني ومسكني من كتفي وقومني بالعافية وقال: “يلا.. خدي شنطتك واقعدي في أي حتة لحد الصبح.. بكرة الساعة تسعة الصبح نتقابل قدام البوسطة، تصفي الحساب وتاخدي هدمك، غير كده مفيش كلام بيننا”.
خرجت من بيت نادية مطرودة للمرة التانية في نفس الليلة.. الساعة بقت تلاتة الفجر، الشوارع هوس، والبرد بينخر في عضمي. مشيت وأنا بجر الشنطة ومش عارفة هروح فين.. خطوت رجلي سحبتني لحد بيت أبويا.. وصلت تحت البيت وبصيت لفوق، لقيت النور قايد في الصالة.. استغربت، أبويا وأمي بيناموا بدري!