نهايه

اماني السيد

بصيت له ولـ هدى وقولت لهم بصوت جاف:

“أنا مش هرميكم في الشارع زي ما عملتوا معايا.. مش عشان خاطركم، عشان خاطر اسم أبوي وأمي اللي متعلق على الباب. هتقعدوا في الأوضة الجوانية، وباقي الشقة ملكي.. والشارع اللي هددتني بيه، بكرة الصبح مرتك تنزل تدور على شغل فيه عشان تسدد ديونك، لأن من هنا ورايح.. مفيش قرش واحد هيدخل البيت ده من غير شقاكم.”

أخويا وطى رأسه والأرض بلعتها من الخزي، ومراته هزت رأسها بالوافقة وهي بتعيط من الذل.

خرجت من الشقة وأنا حاسة إن خطوتي بتهز العمارة.. طلعت للشارع، وركبت عربيتي الجديدة اللي اشتريتها من خير شغلي.

بس وأنا ماشية في الطريق، التليفون رن.. رقم أختي الصغيرة، اللي جوزتها وزمانها شالت إيدها واختفت من حياتي من يوم وفاة أمي.

فتحت الخط، وسمعت صوتها بتبكي وتصرخ من الناحية التانية:

“لحقيني يا أختي الكبيرة! جوزي طردني أنا وعيالي في الشارع ورمى هدومنا، وماليش غيرك ولا لينا مأوى ولا مكان نروح فيه!”

مسكت الطارة جامد، والوجع القديم صحي تاني جوايا..

مسكت طارة العربية بإيد بترتعش، وعيني على الطريق والدمعة حابسة نفسها بالعافية. صوت أختي الصغيرة في التليفون كان بيقطع قلبي.. نفس الصوت اللي كان بيعيط زمان لما تاكل علقة في المدرسة أو تضيع لعبتها، وكنت أطير عشان أضمهّا وأحميا.

بس اللحظة دي.. العقل صاح في دماغي وصوت الوجع صرخ: “لحد إمتى؟ لحد إمتى هتكوني الجدار اللي يتسند عليه وقت الضيقة، ولما يشتد حيلهم يهدوه على رأسك؟!”

سكتّ ثواني.. الصوت في التليفون كان بيترجى: “ردي عليا يا أختي! أنا بالشارع مع العيال والجو برد.. أجي لك فين؟”

خدت نفس طويل، وقولت بصوت هادي، بس جاف ومفهوش نقطة ضعف زي زمان:

“تعالي على المشغل.. العنوان هبعتهولك في رسالة.”

قفلت الخط، وما مشيتش ورا قلبي الطيب اللي وداني في داهية زمان. المشغل هو المكان الوحيد اللي يثبت إن ليا كيان وقيمة، مش الشقة اللي اتملت غل وجحود.

بعد ساعة، دخلت أختي المشغل.. حافية الخاطر، شايلة عيل على إيدها وساحبة الثاني في إيدها، وهدومهم مرمية في شنطة بلاستيك مقطوعة. أول ما شافتني واقفة وسط شغلي وبنات المشغل حواليا ومهابتي مالية المكان، اترمت في حضني وهي بتشهق:

“حقك عليا يا أختي! أنا عارفة إننا قصرنا معاكي، وعارفة إن أخينا عمل فيكي إيه وأنا سكتّ وما وقفتش في وشه عشان جوزي كان مانعني.. بس والله جوزي طلع ظالم، أخد ذهبي وفلوسي ولما طالبت بحقي طردني أنا وعياله!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *