اخويا سرق دهبي
اماني السيد
ساعتين وأنا مش قادرة أقوم من مكاني، لغاية ما تليفوني رن.. كان رقم جارتي أم عبده اللي البنات عندها. رديت بصوت طالع بالعافية: “أيوة يا أم عبده..”
صوت أم عبده كان مرعوب ومحتار: “أ الحقيني يا أمل! صالح جه أخد البنات والشنط بتاعتهم، وكان بياخد حاجته من الشقة ووشه زي الميتين! البنات عمالين يعيطوا ويقولوا بابا رايح فين ويا ماما تعال معانا، وهو ماسك إيديهم ونزلهم في تاكسي ومشي! قلتله في إيه يا أستاذ صالح قال لي قولي لأمل تسأل على ورقتها عند المحامي!”
الخبر نزل عليا جابلي صرخة مخنوقة في صدري. قمت وقفت بلهفة مجنونة: “أخد البنات؟! أخد البنات ورايح فين يا أم عبده?!”
“معرفش يا بنتي! سألته رايح فين قال لي راجع بلدهم في الشرقية عند أهله.. الحقيه لو تقدي!”
جريت في الشارع زي المجنونة، وقفت أول تاكسي وجريت على محطة الأتوبيسات. كنت بدعي ربنا إن الطرق تكون زحمة، إن الأتوبيس يتأخر، إن أي معجزة تحصل تخليني ألحق بناتي قبل ما يختفوا من حياتي. أربع سنين حرمت نفسي فيهم من قطر، أستحملت الغربة والوحدة عشان أربيهم ويكونوا في حضني، وفي الآخر يضيعوا مني في ثواني بسب خيانة مش إيدي فيها!
وصلت المحطة، كنت بلف بين الأتوبيسات والعربيات زي التايهة، بنده باسم “نور” و”فريدة”.. والناس تبصلي باستغراب وفكروني اتجننت. وفجأة، لمحت صالح من بعيد.. كان قاعد على كرسي خشبي متهالك في صالة الانتظار، حاطط شنطتين كبار جنبه، وماسك إيد نور وفريدة اللي كانوا بيعيطوا ويهزوا في إيده.
اندفعت ناحيتهم زي السهم: “صالح! بناتي! أوعى تعمل كدة يا صالح!”
صالح أول ما شافني، وشه اتغير وجمد، وقف وحط البنات ورا ضهره فوراً كأني وحش جاي يفترسهم. البنات شافوني وجيوا يجروا عليا: “ماما! بابا بيقول مش هنرجع شقتنا تاني وهنعيش في البلد!”
حضنتهم بقوة، مسكت فيهم كأني بمسك في حياتي، ودموعي نزلت تغرق هدومهم: “لا يا حبايب قلبي.. ماما معاكم، مش هسيبكم أبداً.”
صالح قرب وسحب البنات من حضني بقوة وقسوة مكنتش متخيلها فيه، وقال بصوت واطي ومسموم: “أوعي تحطي إيدك عليهم! البنات دول مش هيتربوا في عيلة حرامية! مش هسيب بناتي يتأثروا بأخلاق أهلك اللي سرقوا شقا عمرهم!”
بصيتله وركعت قدامه في وسط المحطة قدام الناس كلها، اتخليت عن كل كبريائي: “عشان خاطر ربنا يا صالح.. اضربني، اموتني، خد الدهب واديني ضرب في الشارع بس متاحرمش من بناتي! أنا ماليش ذنب في اللي أهلي عملوه! أنا اتخدعت زيك وأكتر منك! أمي اللي جابتني طعنتني في ضهري، متكملش أنت عليا وتكسر بقية عمري!”