السلايف

روماني مكرم

قلت لها بصوت هادئ ومحسب:

“وهي أمه اتدخلت إزاي في الموضوع؟”

ردت سلوى بنبرة فيها خوف حقيقي:

“أم سامح اتصلت بيّ الصبح.. وقالت لي بلسانها بالألماني، وهي فاكرة إني مش بفهم ألماني كويس عشان أنا درسته زمان في الكلية، قالت لي إنهم مش هيدوني ولا مليم من المبلغ المتفق عليه غير لما أوقع على تنازل كامل، وإنهم هيطلعوا شهادة الميلاد باسمك أنتِ وسامح بتزوير من مستشفى خاص يمتلكه صاحب حماكي! هما مش بس عايزين الطفل، هما عايزين يرموني في الشارع بعد ما أولد، ويمحوا وجودي تماماً.. ولما واجهت سامح على التلفون من ساعة، ضحك وقال لي إن مالياش أي حق، وإن سارة -اللي هي أنتِ- هتاخد بالها من الولد وهتكون ممنونة جداً لأنها محرومة!”

هنا، في هذه اللحظة بالذات، انكسر آخر خيط من الحزن داخل قلبي، وتحول كله إلى سبيكة صلبة من الرغبة في الانتقام والتخطيط العقلاني. لم تعد هناك دموعة واحدة تستحق أن تسقط على هذا الرجل أو تلك العائلة التي عاشرتها عشر سنوات وأنا أظنهم أهلي.

قلت لسلوى بنبرة حاسمة:

“أنتِ فين دلوقتي يا سلوى؟”

أعطتني عنوان شقة صغيرة في حي هادئ على أطراف المدينة، الشقة التي كان سامح يؤجرها لها بعيداً عن الأعين، والتي كان يتذرع بالسفر لإدارة أعماله كي يقضي الوقت فيها.

في خلال نصف ساعة، كنت أقف أمام باب الشقة. فتحت لي سلوى، كانت امرأة في اواخر الثلاثينيات، يبدو عليها الإرهاق الشديد والتعب، ومعالم الحمل كانت واضحة عليها. عندما رأتني، تراجعت خطوة إلى الخلف وكأنها تنتظر مني هجوماً أو صراخاً، لكنني دخلت بهدوء، وأغلقت الباب خلفي، وجلست على أول كرسي قابلني.

نظرنا إلى بعضنا البعض لثوانٍ. كانت المواجهة غريبة بكل المقاييس: الزوجة المخدوعة، والمرأة التي استُغلت لتكون وعاءً لإنجاب طفل لم تكن تريده بهذه الطريقة.

بدأت بالكلام فوراً:

“سامح فاكر إن كل خيوط اللعبة في إيده. فاكر إنه بيتحكم فيكي بالفلوس، وبيمثل عليّ أنا بالحب والحنان، ومطمن إن أهله بيدهسوا كل القوانين والنواحي الأخلاقية بجهلهم وغرورهم. بس هو نسى حاجة واحدة مهمة جداً.”

سألتني سلوى بنظرة حائرة:

“إيه هي؟”

ابتسمت ابتسامة باردة وقلت:

“نسى إن الستات لما بيقرروا يواجهوا، بيغيروا قواعد اللعبة كلها.”

فتحت شنطتي وأخرجت النوتة وقلم، وبدأت أضع الخطوط العريضة. أخبرت سلوى بالتفصيل عما دار بالأمس على سفرة الطعام في بيت حماي، وكيف كانت العائلة تتضحك وتتسامر بالألماني، وكيف قالت حماتي بالحرف: “ماتقلقيش، إحنا هنخليها هي اللي تربي الطفل.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *