السلايف

روماني مكرم

فتحت الملف، وكانت المفاجأة الكبرى.

لم تكن القصة تبدأ منذ سنة فقط كما ادعت سلوى، بل كانت أبعد من ذلك بكثير. وجدت أوراقاً ومستندات طبيبة تعود لثلاث سنوات مضت. كانت تقارير طبية حقيقية وصادرة من أكبر مراكز التحاليل في ألمانيا ومصر.

مسكت الورقة الأولى وقرأت النتيجة، ولم أصدق عيناي.

التقرير الطبي الخاص بسامح كان يؤكد بوضوح قاطع إنه يعاني من عقم كامل وغير قابل للعلاج (Azoospermia)، وأن نسبة نجاح أي عمليات تخصيب بالنسبة له هي صفر بالمائة!

توقفت أنفاسي.

إذا كان سامح عقيمًا تماماً بتقرير طبي مؤكد منذ ثلاث سنوات.. فكيف تكون سلوى حاملاً في ابنه؟!

جلست على الأرض بجانب الخزنة مفتوحة الفم، والورقة ترتجف في يدي.

سامح كان يعلم تماماً طوال السنين الثلاث الماضية أنه هو السبب في عدم إنجابنا! ومع ذلك، كان يتركني أذهب إلى الدكاترة، وأخضع للعمليات الجراحية المجهدة، وآخذ الهرمونات التي كانت تدمر جسدي ونفسيتي، وكان يتفرج عليّ وأنا أبكي في الحمام بحرقة، ويدخل ليقول لي ببرود ودهاء: “إحنا كفاية لبعض يا سارة”!

كان يلقي باللوم الضمني عليّ أمام أهله، ويجعل أمه وأخته يتعاملان معي كأنني ناقصة، فقط ليحمي كبرياءه الذكوري ويتستر على عيبه!

ولكن الجريمة الأكبر والأغرب: إذا كان هو عقيمًا.. فمن هو والد الطفل الذي تحمله سلوى في بطنها؟!

سمعت صوت مفتاح يلف في باب الشقة الخارجي.

بسرعة البرق، قمت بتصوير التقرير الطبي بموبايلي، وأعدت الملف الأزرق إلى مكانه داخل الخزنة، وأغلقت الباب الحديدي، وقمت بمسح أي أثر لوجودي هناك.

دخل سامح الشقة، وهو يحمل حقيبته ورائحة عطره تسبقه. ابتسم ابتسامته المعتادة، الابتسامة التي كنت أراها في السابق رمزاً للأمان، وأصبحت أراها الآن رمزاً للخداع والخسة.

اقترب مني وقال بنبرة حنونة كاذبة:

“حبيبتي سارة.. إيه الأناقة دي؟ غريبة إنك ما روحتش الشغل النهاردة، حاسة بتعب ولا حاجة؟”

مد يده ليلمس وجهي، لكنني تصنعت الابتسام وأدرت وجهي بخفة وكأنني أعدل شعري، وقلت بصوت هادئ ومستقر:

“لا يا حبيبي، بس حسيت إني محتاجة أريح شوية. وعملت لك العشاء اللي بتحبه.”

نظر إليّ بامتنان مزيف، وقال وهو يتجه لغرفة المكتب:

“ربنا يخليكي ليّ يا سارة.. مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه.”

قفت في الممر أنظر إلى ظهره وهو يبتعد، والشكوك تنهال على عقلي كالمطر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *