حمامات

زهره الربيع

الحاجة صفية دخلت بهيبتها، وبصت لحماتي المنتفخة على الكرسي وقالت بصوت رنان:

— “مساء الخير يا أم أحمد.. كتر خيرك إنك افتكرتِ أختك الكبيرة وعزمتينا على السفرة العامرة دي.. ولا إحنا مالناش نصيب في كرمك اللي العيلة كلها بتتكلم عنه؟”

البيت بقى عبارة عن شوادق! الصالون أتسد بالضيوف، العدد دخل في قرب أربعين فرد، وحماتي بقت تبص لأختها وتبصلي وعينيها طالع منها شرار هيولع في الصالة. أحمد جوزي كان واقف هيطق من كتر الإحراج والضغط، وشه بقى أزرق ومبقاش عارف يتكلم ولا يداري الخيبة فين.

الحاجة صفية قعدت، وبصت للترابيزة الفاضية وقالت باستغراب:

— “أومال فين الأكل يا أم أحمد؟ ده الساعة بقت تسعة بالليل! ولا عزمتينا عشان نقعد نتفرج على بعض والولاد الصغار يصرخوا من الجوع؟”

هنا حماتي مقدرتش تمسك نفسها، وقامت وقفت ونفضت جلابيتها وقالت وهي بتشاور عليا بصابع بيرتعش من الغل:

— “الأكل عند الهانم! الهانم مرات ابنك اللي حبت تعمل عليا معلمة وقافلة المطبخ وما طبختش ولا لقمة، عشان تصغرني قدامكوا وتفضحني في العيلة!”

الناس كلها بصتلي باستنكار ومفاجأة. أحمد بصلي برجاء إن ينقذ الموقف، لكن أنا وقفت بكل برود ثلجي، وعدلت طرحتي وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقلت بصوت واطي ومسموع للكل:

— “يا جماعة صلوا على النبي.. أنا ما قفلتش المطبخ ولا حاجة، المطبخ مفتوح أهو بحلله وصوانيه. بس كل عزومة، طنط بتدخل تقولي قدامكوا كلكم: (إنتِ زي الضيفة هنا، أنا صاحبة البيت وأنا اللي بظبط كل حاجة لابني).. وأنا بصراحة حبيت أريحها المرة دي، وأسيب صاحبة البيت هي اللي تقوم بواجب ضيوفها اللي عزمتهم بنفسها ومن غير ما تقولي على أسمائهم حتى! هو الضيف بيطبخ لضيوف صاحب البيت برضه؟”

الصالون كله سكت سكتة موت. الحاجة صفية بصت لأختها وضحكت ضحكة عالية فيها شمتة العمر:

— “الله الله يا أم أحمد! يعني عزمانا كلنا وجايبانا من أخر الدنيا على بيت مرات ابنك، وإنتِ أساساً مش عاملا حساب لقمة واحدة ولا حتى متفقة معاها؟! بقيتي تعزمي الناس على أكل غيرك وتعملي فيها الكريمة على حساب مرارة البنت؟!”

مراته عم أحمد وقرايبها بدأوا يتهامسوا ويضحكوا تحت الضرس. حماتي وشها بقى يجيب ألوان الطيف، والدموية طارت من وشها وبقت تنهد بصوت عالٍ من كتر الغيظ والإهانة قدام أختها اللي بتكرهها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *