حمامات

زهره الربيع

في اللحظة دي، حماتي قامت قعدت زي العفريت اللي نط من العلبة! نسيت الدوخة ونسيت الضغط، وبصتلي بعيون مرعوبة وقالت بصوت صريخ:

— “إيه؟! أدفع ثمن أوردر مشويات لأربعين بني آدم منين يا حسرة؟! إنتِ تجننتِ يا سهام؟!”

ابتسمت لها بمنتهى البراءة وقلت:

— “جرى إيه يا طنط؟ مش إنتِ لسة قابضة الجمعية الكبيرة إمبارح ومجهزة المبلغ في شنطتك؟ ولا يصح عزومتك في بيتك والضيوف الكبار دول -وعلى رأسهم أختك الحاجة صفية اللي بقالكوا سنين ما اتجمعتوش- ياكلوا أي كلام؟ دي أقل حاجة تليق بمقام عزومتك!”

الحاجة صفية هزت رأسها وهي بتضحك بظلم وشماتة وقالت:

— “أيوه والله يا أم أحمد، أختك كبرت وبقى لها مقام.. ولا المشويات خسارة فينا وفي عيالنا اللي عزمتيهم بنفسك؟”

حماتي بقت تمصمص شفايفها ووشها أصفر وأحمر وأسود، مش قادرة تقول “مش حادفع” عشان ما تفضحش نفسها قدام أختها والعيلة وتطلع بخيلة، ولا قادرة تطلع الألوفات اللي حوشتها بالعافية من الجمعية!

وفي وسط الزحمة دي، جرس الباب رن رنة طويلة.. الدليفري وصل!

أحمد فتح الباب، والعامل كان شايل أكياس وعلب حرارية طالعة منها ريحة المشويات والريش الريحة اللي دوخت الشارع كله، وحط الصواني على السفرة الفاضية. العامل مسك الفاتورة وبص للصالون وقال بصوت عالي:

— “الحساب يا جماعة.. المطلوب تسعة الآف وخمسمية جنيه!”

الرقم نزل على دماغ حماتي زي الصاعقة، بقت تبص لشنطتها كأنها بتشوف حبل الإعدام! طلعت الفلوس بإيد بتترعش، وكل ورقة بتمسحها بتخرج من دمها. والناس بدأت تتلم على السفرة تاكل وتهلل وتمدح في “كرم الحاجة أم أحمد”.

حماتي قعدت في الزاوية مش قادرة تحط لقمة في بقها من القهرة، وبصتلي بنظرة انتقام مرعبة وقالت بصوت واطي جداً وهي بتجز على أسنأنها لما قربت منها:

— “وديني وما أعبد يا سهام.. لرد لك الصاع صاعين، ولأخلّي أحمد يكتبلي الشقة دي بكرة الصبح وأرميكِ في الشارع بالهدوم اللي عليكِ!”

ابتسمت لها بكل برود، وحطيت حتة كباب في طبقي وقلت لها:

— “نشوف موضوع الشقة ده بكرة يا طنط.. بس الأول اتفضلي كلي، ده الأكل بفلوسك!”

لكن اللي حماتي ما كانتش تعرفه، إن المفاجأة القاضية الحقيقية ما كانتش الأوردر ولا الفلوس.. المفاجأة الحقيقية كانت جوة شنطتي، والورقة اللي كانت هتغير مجرى حياتنا كلنا بدأت تظهر لما أحمد مسك تليفونه وجاته مكالمة غريبة جداً خلت ألوان وشّه تروح فوراً!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *