تبرع بالدم
كتبت كل حرف ببطء ووضوح.
لما خلصت، حطيت القلم جنب الورق.
وبصيت لأحمد.
وقّع.
رفع عينه ليا.
قلت
قوانين البيت مينفعش تتكسر، صح؟
وبابتسامة خفيفة كملت
والعدل لازم يتطبق على الكل.
2
الصالة غرقت في صمت تقيل.
الصوت الوحيد كان طقطقة خفيفة جاية من الطابعة وهي بتبرد.
أحمد نزل عينه على نسخ اتفاق الطلاق اللي قدامه.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت
ملامحه اتغيرت.
مش غضب.
ومش حزن.
كان عدم فهم.
استغراب منطقي بحت.
كأنه مهندس كمبيوتر ظهر قدامه عطل خارج كل الاحتمالات اللي حاططها في النظام.
رفع عينه وقال
مريم إيه معنى اللي إنتِ بتعمليه ده؟
بصيت له بهدوء.
معناه المكتوب قدامك.
وسكت لحظة.
طلاق.
نوال قامت من مكانها فجأة.
إنتِ اتجننتي؟!
وشاورت عليا بصباعها
إنتِ فاكرة البيت ده إيه؟ فندق؟ تدخلي وقت ما تحبي وتمشي وقت ما تحبي؟! علشان موقف تافه زي ده عايزة تطلقي؟! هو إنتِ كبرتي علينا ولا إيه؟!
بصيت لها.
موقف تافه؟
وبعدين بصيت لأحمد.
مصروف 6 شهور. 18 ألف يوان.
رفعت الورقة اللي رمتها في وشي.
يعني بالنسبة لكم، 18 ألف يوان تمن كفاية علشان تقفلوا حساب إنقاذ حياة بنتك.
صوتي كان هادي جدًا.
كأني بتكلم عن حد تاني.
أحمد مسك اتفاق الطلاق وقرأه بسرعة.
وعندما وصل للسطر اللي مكتوب فيه إني متنازلة عن أي مطالبة بالممتلكات
عينيه ضاقت للحظة.
حط الورقة على الترابيزة.
شبك صوابعه فوق ركبته.
أنا كنت عارفة الحركة دي.
أحمد بيعملها لما يدخل وضع التفاوض.
رجع صوته هادي ومنظم
مريم، أنا فاهم إنك تعبانة النهارده وحالتك النفسية مش مستقرة. علشان كده أنا مش هحاسبك على الكلام ده.
ابتسمت من غير فرحة.
فكمل
لكن استخدام الطلاق كوسيلة ضغط أو تهديد أسلوب رخيص جدًا، ومش هيحل أي مشكلة.
قلت
أنا مش بهددك.
بص لي.
قلت بوضوح
أنا ببلغك.
سكت ثانية.
وبعدين قال بعدم تصديق
كل ده علشان ورقة عقوبة؟!
ومال بجسمه لقدام شوية.
جوازنا في نظرك هش للدرجة دي؟ ورقة واحدة تخليكي تهدي بيت كامل؟
هزيت راسي.
لأ يا أحمد.
رفعت عيني في عينه.
مش بسبب ورقة العقوبة.
سكتت لحظة.
وبعدين قلت
بسبب رد فعلك إنت
في اللحظة اللي الورقة دي اترمت فيها في وشي.
3
أحمد فضل ساكت كام ثانية.
واضح إنه كان مستني مني تفسير أطول.
اتهامات.
صوت عالي.
أي حاجة يقدر يمسك فيها ويقول بعدها إن المشكلة في انفعالي.
لكني ما اديتلوش الفرصة.
قلت
الورقة دي مش أول حاجة يا أحمد.
وشاورت ناحية المطبخ.
فاكر لما أمي دخلت المستشفى السنة اللي فاتت؟
اتغيرت ملامحه تغيير بسيط.
إيه علاقة ده بالموضوع؟
ضحكت بخفة.
طبعًا مش فاكر.
لكن أنا كنت فاكرة.
فاكرة اليوم اللي أمي دخلت فيه المستشفى فجأة بسبب هبوط شديد، وأنا طلبت منه 500 يوان زيادة عن المصروف علشان أجيب لها أدوية.
وقتها فتح ملف المصروفات على اللابتوب.
وقعد يحسب.
وبعدين قال لي
والدتك مش ضمن ميزانية بيتنا.
وفي الآخر اضطررت أبيع إسورة صغيرة كانت أمي نفسها جايباها لي يوم جوازي.
بصيت له وقلت
فاكر لما أبوك احتاج عملية بعدها ب شهور؟
ما ردش.
دفعت من فلوس البيت من غير ما تسألني.
نوال صاحت
ده أبوه!
لفيت لها.
وأمي أمي.
سكتت.
رجعت بصيت لأحمد.
فاكر لما سلمى كانت عايزة تغير عربيتها؟
مريم، إنتِ بتفتحي مواضيع قديمة ليه؟
لأن عربيتها اتدفعلها مقدم 70 ألف يوان من حساب المشروع اللي أنا حطيت فيه تحويشة عمري قبل الجواز.
وشه اتشد.
قلت
وقتها ما افتكرتش إن كل موضوع منفصل عن التاني.
قربت منه خطوة.
قوانينك يا أحمد عمرها ما كانت قوانين.
كانت سلاح.
بيتطبق عليا أنا بس.
نوال خبطت بإيدها على الترابيزة.
كفاية قلة أدب!
بصيت لها.
البند التالت في قوانين البيت بيقول ممنوع رفع الصوت أثناء النقاش.
فتحت بوقها.
لكن الكلام وقف.
لأول مرة
قوانينهم رجعت عليهم.
بصيت لأحمد.
أمك دلوقتي خالفت البند التالت.
وسحبت ورقة العقوبة من على الترابيزة وحطيتها قدامه.
طبق العدل.
وشه بقى جامد.
مريم، بلاش سخافة.
ابتسمت.
ودي كانت اللحظة اللي تأكدت فيها.
قلت
بالظبط.
لما القوانين توصل لأمك، تبقى سخافة.
لما توصل ليا، تبقى مبدأ.
ما ردش.
أنا كمان ما استنيتش.
دخلت أوضتنا.
طلعت شنطة سفر صغيرة من فوق الدولاب.
وحطيت فيها هدوم تكفيني كام يوم.
وأنا بقفل السوستة، أحمد دخل.
وقف عند الباب.
هتروحي فين؟
فندق.
بفلوس مين؟
إيدي وقفت فوق الشنطة.
لفيت له ببطء.
كان واقف بمنتهى الجدية.
مش بيهزر.
قلت
بتسألني بفلوس مين؟
حسابك البنكي تقريبًا فاضي. والمصروف اتوقف من النهارده.
بصيت له كام ثانية.
وبعدين ضحكت.
ضحكة حقيقية المرة دي.
مش علشان الكلام مضحك.
لكن لأن آخر حتة شك جوايا ماتت.
قال بعصبية
بتضحكي على إيه؟
مسحت دمعة صغيرة نزلت من عيني من كتر الضحك.
على نفسي.
على إني كنت فاكرة إن عندي زوج.
شلت الشنطة.
وعديت من جنبه.
قبل ما أخرج، مسك دراعي.
بالظبط عند مكان الإبرة.
صرخت من الوجع.
سابني فورًا.
بص على القطنة اللي اتشبعت بنقطة دم جديدة.
لثانية واحدة
بان على وشه شيء شبه الذنب.
لكنه اختفى بسرعة.
قال
نامي الليلة. بكرة لما تهدي نتكلم.
قلت
أنا هادية جدًا.
وخرجت.
كنت تقريبًا وصلت لباب الشقة لما سمعت صوت نوال ورايا
سيبيها تمشي يا أحمد!
وقفت.
صوتها كان عالي وواضح.
هتروح فين يعني؟ يومين وهترجع!
وبعدين قالت الجملة اللي خلت إيدي تمسك مقبض الباب أقوى
واحدة معندهاش شغل ولا فلوس هتعيش إزاي بره بيت جوزها؟
أحمد ما ردش.
وأنا كمان ما رديتش.
فتحت الباب.
وخرجت.
لكن وأنا بقفل الباب ورايا
كنت بابتسم.
لأن في حاجة واحدة هما الاتنين ماكانوش يعرفوها.
أنا فعلًا بطلت شغل بعد الجواز.
لكن ما بطلتش أكون مريم.
ولا نسيت أنا كنت مين قبل أحمد.
4
أول ليلة قضيتها في فندق صغير قريب من المستشفى.
مش فندق فاخر.
أوضة عادية جدًا.
سرير.
حمام.
وشباك بيطل على شارع مزدحم.
لكن لما قفلت الباب عليا
حسيت بحاجة ماحستهاش من 3 سنين.
إن مفيش حد هيحاسبني لو طلبت أكل الساعة 10 بالليل.
مفيش حد هيكتب مخالفة لو سيبت الكوباية على الترابيزة.
مفيش حد هيخصم مني حاجة لو صحيت متأخر.
قعدت على طرف السرير.
وبصيت لدراعي.
مكان الإبرة كان مزرق.
فتحت موبايلي.
27 مكالمة فائتة.
19 من أحمد.
8 من نوال.
ورسائل كتير.
فتحت أول رسالة من أحمد
لما تخلصي حركة الأطفال دي ارجعي.
التانية
ماما متضايقة جدًا بسبب أسلوبك.
التالتة
أنا مستعد ألغي عقوبة الست شهور لو اعتذرتي لماما.
فضلت باصة للشاشة.
وبعدين قفلتها.
حتى دلوقتي
هو فاكر إن المشكلة 18 ألف يوان.
مش فاهم إن في حاجة ماتت.
والموت مش بيتصلح باعتذار.
فتحت قائمة الأسماء.
ودورت على اسم ماكلمتوش من سنتين تقريبًا.
الأستاذة هالة منصور.
مديرتي القديمة.
قبل الجواز، كنت بشتغل في شركة استشارات مالية.
بدأت موظفة صغيرة.
وخلال 4 سنين بقيت مديرة فريق.
لما اتجوزت أحمد، هو اللي أقنعني أسيب الشغل.
قال لي وقتها
أنا دخلي كفاية. وإحنا مش محتاجين نعيش كأننا اتنين غرب عن بعض كل واحد بيجري ورا شغله.
وأنا صدقته.
اتصلت بهالة.
الساعة كانت قربت على 11.
افتكرت إنها مش هترد.
لكن بعد 3 رنات سمعت صوتها
ألو؟
قلت
مساء الخير يا أستاذة هالة أنا مريم.
سكتت ثانيتين.
ثم قالت بدهشة
مريم؟!
وبعدين ضحكت.
يا بنتي إنتِ عايشة؟!
لأول مرة طول اليوم
ابتسمت.
قلت
عايشة.
وسكت شوية.
وعايزة أرجع أشتغل.
سكتت هي المرة دي.
وبعدين سألتني
حصل إيه؟
بصيت من الشباك.
صحيت.
قالت من غير ما تسأل أكتر
تعالي بكرة الساعة 10.
تاني يوم، الساعة 955، كنت قدام مكتبها.
قابلتني بنفس الحضن القديم.
وبعد نص ساعة كلام، حطت قدامي عرض عمل.
المرتب كان أقل من اللي كنت باخده قبل ما أسيب الشغل، لأن غيابي سنتين أثر على خبرتي العملية.
لكن الرقم كان كفاية.
كفاية أدفع إيجار.
كفاية آكل.
كفاية أعيش.
كفاية ما استناش أول الشهر علشان أحمد يتفضل يحول لي مصروف.
مسكت القلم.
ووقعت.
وفي اللحظة دي
موبايلي رن.
أحمد.
قفلت المكالمة.
رن تاني.
قفلت.
وبعدها وصلت رسالة
المحامي كلمني. إنتِ فعلًا قدمتي إجراءات الطلاق؟
ابتسمت.
وكتبت له
أيوه.
رد فورًا
إحنا محتاجين نتكلم.
كتبت
اتكلم مع المحامي.
خلال أسبوع
الدنيا اتقلبت.
أحمد رفض يوقع اتفاق الطلاق.
مش لأنه عايزني.
لكن لأنه ماكانش مستوعب إني ممكن أقرر وأمشي.
بدأ ييجي عند شغلي.
يبعت ورد.
يكلم زمايلي.
مرة استناني ساعتين تحت الشركة.
وأول ما خرجت، جري ناحيتي.
مريم!
وقفت.
شكله كان مرهق.
إحنا مش هنضيع 8 سنين بسبب مشكلة سخيفة.
قلت
8 سنين؟
5 ارتباط و جواز.
هزيت راسي.
غريبة إنك فاكر عدد السنين ومش فاكر إني كنت في المستشفى بتبرع لأختك.
اتنهد بعصبية.
قلت لك هألغي العقوبة!
قلت
وأنا قلت لك إن العقوبة مش المشكلة.
أمال المشكلة إيه؟!
بصيت له.
إنك لحد النهارده مش عارف.
ومشيت.
لكنه مسك كلامي المرة دي، مش دراعي.
صرخ ورايا
طب وسلمى؟!
وقفت.
لفيت له.
قال بسرعة
سلمى عايزة تشوفك. بتسأل عليكي من ساعة ما عرفت إنك إنتِ اللي اتبرعتي لها.
للحظة
قلبي اتحرك.
سلمى نفسها عمرها ما أذتني.
مشكلتي ماكانتش معاها.
قلت
لما صحتها تتحسن، هكلمها.
ومشيت.
ما كنتش أعرف وقتها
إن المكالمة دي هتكون بداية حاجة أخطر بكتير.
5
بعد أسبوعين، سلمى اتصلت بيا بنفسها.
رديت.
صوتها كان ضعيف.
مريم؟
حمد لله على سلامتك.
سمعتها بتعيط.
أنا عرفت.
سكت.
عرفت إنك إنتِ اللي اتبرعتي لي.
قلت
المهم إنك بقيتي كويسة.
قالت
وعرفت اللي حصل لما رجعتي البيت.
ما رديتش.
قالت
ماما قالت لي إنك عملتي مشكلة علشان العشا.
ضحكت بسخرية.
طبيعي.
لكن سلمى قالت بسرعة
أنا ما صدقتهاش.
سكتت لحظة.
أحمد كان عندي امبارح. سألته إنتِ اتبرعتي قد إيه.
قال 400 سي سي.
وبعدين صوتها اتكسر