تبرع بالدم
أيوه.
قعدت على الكرسي.
ليه؟
لأن ماما كانت مخبياه.
ليه؟
تنهدت.
من سنين وأنا عندي مشكلة بتخلي أي نقل دم بالنسبة لي محتاج متابعة دقيقة جدًا. الدكتور كان قايل لماما وأحمد يحتفظوا بكل التقارير والتحاليل.
لكنهم ما قالوليش كل التفاصيل.
قلت
وإنتِ عرفتي إمتى؟
بعد الحادثة.
سكتت.
ثم قالت
وأنا في المستشفى سمعت الدكتور بيسأل أحمد عن تاريخي الطبي.
أحمد قال له إنه ما يعرفش حاجة مهمة.
اتشد جسمي.
مع إن التقرير كان عنده؟
كان في درج المكتب عند ماما.
حطيت إيدي على جبيني.
سلمى قالت
أنا اللي لقيته بعد ما رجعت البيت.
صوتها بدأ يرتعش.
مريم أنا مش عارفة ليه ماما خبت التقرير ولا ليه أحمد ما قالش للدكاترة.
بس أنا خفت.
ولما سمعتهم بيتكلموا عن ورقك وتوقيعك، حسيت إنهم بيعملوا معاكي نفس الحاجة.
إخفاء.
تحكم.
وبعدين يقولوا إنهم عارفين مصلحتنا.
قلت
سلمى، خدي التقرير وروحي لدكتورك.
من غير أحمد.
ومن غير أمك.
وخلي الدكتور يشوف كل تاريخك الطبي بنفسه.
قالت
حاضر.
كانت دي آخر مرة اتكلمنا فيها لمدة شهرين.
خلال الشهرين دول
حياتي اتغيرت.
رجعت شغلي.
أجرت شقة صغيرة.
اشتريت لنفسي أول ترابيزة سفرة اختارها أنا.
كانت مستديرة.
من غير قوانين معلقة جنبها.
ومن غير مواعيد إجبارية للعشا.
وفي أول ليلة في الشقة
طلبت بيتزا الساعة 11 ونص.
وقعدت آكلها على الأرض لأن الكنبة لسه ما وصلتش.
كنت بضحك لوحدي.
مش لأن حياتي بقت مثالية.
لكن لأنها بقت حياتي.
أما أحمد
فوافق أخيرًا على الطلاق بعدما المحامين واجهوه بتقرير خبير الخطوط.
واتعملت تسوية منفصلة بخصوص مساهمتي المالية وحقوقي في المشروع.
ما أخدتش نص ثروته.
ولا كنت عايزة.
أخدت حقي اللي قدرت المستندات تثبته.
وبس.
أما نوال
فما شفتهاش.
لحد اليوم اللي خرجت فيه من جلسة إنهاء آخر إجراءات الطلاق.
كانت واقفة بره.
أول ما شافتني جريت ناحيتي.
مريم!
وقفت.
قالت
مبسوطة؟
بصيت لها.
في إيه؟
خربتي بيتك!
بهدلتي ابني!
دخلتي المحامين بينا!
فضلت ساكتة.
صرخت
كل ده علشان 6 شهور مصروف؟!
ابتسمت.
قلت
لسه مش فاهمة.
وسبتها ومشيت.
8
مرت 3 شهور بالظبط من يوم تبرعي بالدم.
كنت في اجتماع في الشركة.
الموبايل كان على الصامت.
لما الاجتماع خلص
لقيت 23 مكالمة فائتة.
كلها من رقم أحمد.
عقدت حواجبي.
من ساعة الطلاق وهو تقريبًا بطل يتصل.
وأنا ببص للشاشة
رن تاني.
قفلت.
رن.
قفلت.
وبعدين جت رسالة
سلمى في المستشفى.
وقفت إيدي.
بعدها رسالة
حالتها خطيرة.
وبعدها
أرجوكي ردي.
قلبي اتقبض.
مهما حصل
سلمى ماكانش ليها ذنب.
اتصلت بالمستشفى مباشرة.
مش بأحمد.
طلبت قسم العناية.
وبعد محاولات، قدرت أوصل لمعلومة بسيطة
سلمى دخلت المستشفى بسبب مضاعفات صحية خطيرة، والأطباء بيعملوا فحوص عاجلة وبيحاولوا يثبتوا حالتها.
ماكانش ينفع آخد تفاصيل أكتر.
قفلت.
بعد دقيقة أحمد اتصل.
المرة دي رديت.
صوته كان منهار.
مريم!
سلمى مالها؟
الدكتور بيقول محتاجين نراجع تاريخ نقل الدم كله، والتقارير القديمة، وكل المتبرعين والتوافقات اللي حصلت وقت الحادثة.
قلت
التقرير القديم معاها.
سكت.
إنتِ عرفتي منين؟
سلمى قالت لي.
سمعت نفسه يتغير.
قال
مريم هما بيسألوا عنك.
قلبي دق.
ليه؟
لأنك كنتِ المتبرعة وقت الحادثة. ممكن يحتاجوا بيانات التبرع والفحوص اللي اتعملت وقتها علشان يكملوا الملف الطبي.
قلت فورًا
المستشفى عندها بياناتي، ولو الطبيب محتاج أي معلومة مني يخلي المستشفى تتواصل معايا رسميًا وأنا هتعاون.
سكت.
وبعدين قال
طب تعالي.
ليه؟
سلمى ممكن
صوته اتكسر.
ممكن تكون محتاجاكي.
غمضت عيني.
قلت
لو سلمى واعية وطلبتني، هاجي.
ولو الدكتور محتاجني طبيًا، هاجي.
غير كده، إنت وأنا مفيش بينا كلام.
قفلنا.
لكن أحمد ما وقفش.
اتصل.
واتصل.
واتصل.
من رقمه.
من رقم أمه.
من أرقام معرفهاش.
خلال ساعات، عداد المكالمات الفائتة عدى المية.
وفي الليل
وصلت 175 مكالمة.
كنت قاعدة على سريري.
الموبايل قدامي بيضوي كل شوية.
أحمد.
أحمد.
أحمد.
نوال.
رقم مجهول.
أحمد.
وبعدين وصلت رسالة صوتية.
فتحتها.
صوت نوال.
لكن الست المتكبرة اللي رمت الورقة في وشي اختفت.
كان صوتها بيعيط.
يا مريم علشان خاطري ردي.
دي سلمى.
إنتِ أنقذتيها مرة.
ساعدينا تاني.
قفلت التسجيل.
قعدت فترة طويلة ساكتة.
وبعدين اتصلت بالمستشفى مرة تانية.
قلت لهم اسمي.
شرحت إني كنت متبرعة في الحادثة السابقة وإن أسرة المريضة بتقول إن الفريق الطبي قد يحتاج بيانات مرتبطة بالتبرع.
بعد شوية، رجع لي اتصال رسمي.
الموظفة قالت إنهم بالفعل بيجمعوا التاريخ الطبي الكامل، وإن أي حاجة مطلوبة مني هتتم من خلال المستشفى.
قلت
أي تحليل أو معلومة طبية تحتاجوها مني، أنا جاهزة.
قفلت.
وبعدين بصيت للموبايل.
أحمد بيتصل للمرة ال.
رفضت المكالمة.
لأن إنقاذ سلمى واجب إنساني أقدر أعمله من غير ما أرجع زوجة لأحمد.
ومن غير ما أرجع خدامة في بيت نوال.
ومن غير ما أدفع حياتي تمنًا لكل مرة أكون فيها إنسانة كويسة.
بعد دقائق
جت رسالة من سلمى نفسها.
أنا صحيت.
اتنفست لأول مرة من ساعات.
بعدها
الدكاترة قالوا الحالة استقرت مبدئيًا.
غمضت عيني.
ونزلت دمعة.
كتبت لها
الحمد لله.
ردت
ماما قالت إنك رفضتي تساعديني.
بصيت للجملة.
وبعدين كتبت
أنا كلمت المستشفى بنفسي وقلت لهم إني جاهزة لأي حاجة طبية يحتاجوها.
ظهرت علامة إنها بتكتب.
اختفت.
رجعت.
وفي الآخر كتبت
كنت عارفة.
بعد يومين رحت لسلمى.
لوحدي.
اخترت وقت أحمد ونوال مش موجودين فيه.
كانت نايمة على السرير، وشها شاحب.
أول ما شافتني ابتسمت.
قعدت جنبها.
مسكت إيدي.
وقالت
أنا آسفة.
قلت
بطلي تقولي آسفة على حاجات إنتِ ما عملتيهاش.
قالت
أنا قررت أسيب بيت ماما.
بصيت لها.
لما أخرج.
هاخد شقة قريبة من شغلي.
ابتسمت.
قرارك.
قالت
أنا طول عمري كنت فاكرة قوانينهم حماية.
بعد اللي حصل معاكي
سكتت.
فهمت إنها كانت طريقة يخوفونا بيها من إننا نعيش من غيرهم.
ما قلتش حاجة.
لأنها وصلت للحقيقة بنفسها.
وقبل ما أمشي، قالت
مريم.
لفيت.
ال سي سي دول
أنا عمري ما هنساهم.
ابتسمت.
قلت
وأنا كمان.
لكن كل واحدة فينا كانت تقصد سبب مختلف.
هي هتفتكرهم لأنهم ساعدوا في إنقاذ حياتها.
وأنا هفتكرهم
لأنهم أنقذوا حياتي أنا كمان.
بطريقة تانية.
9
بعد 6 شهور من الطلاق
وصلني ظرف على مكتبي.
من غير اسم مرسل.
فتحته.
كان جواه ورقة واحدة.
نفس الورقة القديمة.
قوانين البيت.
النسخة اللي كانت معلقة على التلاجة.
لكن كان عليها خط بالقلم الأحمر من أولها لآخرها.
وتحتها مكتوب بخط سلمى
البيت اللي محتاج قوانين علشان يجبر الناس تحب بعض مش بيت.
ضحكت.
وحطيت الورقة في درج مكتبي.
مش علشان أحتفظ بالقوانين.
لكن علشان أفتكر اليوم اللي بطلت أخاف منها.
في نفس المساء، وأنا خارجة من الشركة، لقيت أحمد واقف بعيد.
ما قربش.
ما نادانيش.
كان شكله مختلف.
أهدى.
وأكبر.
وقفنا نبص لبعض من بعيد.
وبعدين هو اللي قرب خطوتين.
قال
مريم.
نعم؟
أنا فهمت.
سكت.
قال
متأخر بس فهمت.
ما سألتهوش فهم إيه.
قال
أنا كنت فاكر إن العدل معناه إن نفس القانون يتطبق على كل الناس.
وبعدين؟
بص للأرض.
اكتشفت إن القانون اللي مفيهوش رحمة ممكن يبقى ظلم حتى لو اتطبق على الكل.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
على الأقل
اتعلم.
قال
لو رجع الزمن
قاطعته بهدوء
مش هيرجع.
رفع عينه.
هز راسه.
عارف.
ومد إيده كأنه هيسلم عليا.
لكن رجعها.
قال
أتمنى تكوني مبسوطة.
قلت
بقيت مرتاحة.
وكانت دي أصدق إجابة عندي.
عديت من جنبه.
مشيت ناحية عربيتي.
وقبل ما أفتح الباب، ناداني
مريم.
لفيت.
قال
ال ألف يوان
ضحكت.
حتى بعد كل اللي حصل، الرقم لسه موجود في دماغه.
لكنه كمل
أنا حولتهم لحسابك من زمان.
بصيت له.
قلت
رجعهم.
اتصدم.
إيه؟
رجعهم لحسابك.
ليه؟
ابتسمت.
لأنهم مش حقي.
سكت لحظة.
وبعدين قلت
أنا خالفت قوانين البيت فعلًا.
ملامحه اتلخبطت.
فتحت باب العربية.
وقبل ما أركب، قلت
ما عملتش العشا الساعة ستة ونص.
يبقى العقوبة تتنفذ.
فضل واقف مكانه.
وأنا ركبت.
قفلت الباب.
وشغلت العربية.
الموبايل كان على الكرسي جنبي.
نفس الموبايل اللي استقبل 175 مكالمة منه في ليلة واحدة.
بصيت له لحظة.
طلعت الشريحة القديمة.
كسرتها نصين.
وحطيتها في درج العربية.
وبعدين اتحركت.
في المراية
شفت أحمد بيصغر ورايا.
لحد ما اختفى.
وفي اللحظة دي افتكرت اليوم اللي رجعت فيه من المستشفى.
400 سي سي من دمي ناقصين.
جسمي بيرتعش.
وورقة عقوبة مرمية عند رجلي.
وقتها كنت فاكرة إني خسرت كل حاجة.
جوزي.
بيتي.
سنين عمري.
فلوسي.
لكن الحقيقة؟
أنا في الليلة دي ما خسرتش بيتي.
أنا اكتشفت إن المكان اللي كنت عايشة فيه
ماكانش بيت من البداية.
أما ال سي سي دم اللي خرجوا مني علشان ينقذوا سلمى؟
فيمكن كانوا أغلى حاجة دفعتها في حياتي.
مش لأنهم أنقذوا أخت جوزي وبس.
لكن لأنهم كشفوا لي، في اللحظة اللي كنت فيها أضعف ما يكون
مين كان مستعد يمسك إيدي.
ومين كان مستعد يرمي ورقة في وشي.
ومن يومها فهمت حاجة واحدة
العدل مش إنك تعاقب كل الناس بنفس القسوة.
العدل إنك تعرف الفرق بين اللي أهمل واجبه
واللي اتأخر عن العشا لأنه كان في المستشفى بينقذ حياة إنسان.