صاحبه عمري

روماني مكرم

كملت الجرسونة: “أيوة.. كان في شاب بييجي هنا مستنيها في الترابيزة البعيدة دي كل مرة بتيجي فيها. كانوا بيفضلوا قاعدين بالساعات يتكلموا، يضحكوا، ويبصوا لبعض بنفس الطريقة اللي بتدل إن بينهم قصة حب كبيرة وعميقة. وآدم.. آدم كان قاعد معاهم على نفس الترابيزة.” حسيت بغضب جارف بيسري في عروقي. صاحبتي المقربة، اللي أمنتها على ابني المصاب بالتوحد، اللي ادعت إنها بتاخده عشان تدربه على المهارات الاجتماعية وتديني أنا فرصة يرتاح، كانت بتستغل حالة ابني وعدم قدرته على التعبير ونقل الأحداث عشان تستخدمه كـ “ستار” لمقابلات غرامية خفية!

قلت للجرسونة وصوتي بدأ يترعش من كتر العصبية: “كانت بتستغل ابني! كانت بتاخده عشان تغطي على نزواتها ومقابلاتها السرية من غير ما حد يشك فيها؟ عشان كدة كانت بتغير الموضوع كل ما آدم يذكر ‘المطعم’؟” الجرسونة حطت إيدها على بوقي ببطء وهزت رأسها وقالت بجدية: “استني يا بنتي.. متظلــ,,ـــــميش مريم بسرعة وتكملي الصورة من خيالك، الحقيقة أعمق وأعقد من كدة بكتير. كملي السمع للآخر.” نزلت إيدها وواصلت كلامها وهي بتبص ناحية الترابيزة:

“الشاب ده.. كان اسمه ‘شريف’. شريف كان خطيب مريم القديم من سنين طويلة، بس أهل مريم رفضوه تمامًا وقفلوا الباب في وشه عشان ظروفه المادية كانت على قدها وكان شغال مصمم ديكور مبتدئ. مريم اتجوزت بضغط من أهلها الشخص اللي هي معاه دلوقتي، وشريف حياته اتدمرت ووقف كل حاجة. لما مريم عرفت إن آدم عنده توحد، وإنك محتاجة مساعدة، اقترحت عليكِ تاخده عشان تخرج بيه.. بس السبب الحقيقي اللي خلي شريف ومريم يتقابلوا هنا ما كانش مجرد مقابلات عاطفية خفية.. شريف كان مهندس شاطر جدًا في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وكان حلمه يعمل مركز لتأهيلهم.”

برشت بعيني بذهول، وحسيت إن الصورة بتتغير كليًا قدامي. الجرسونة كملت بصوت دافئ:

“مريم لما شافت معاناتك مع آدم في أول سنين تشخيصه، وازاي كنتِ منهارة ومش عارفة تتعاملي مع نوبات غضبه، راحت لشريف وطلبت منه يتدخل ويساعد آدم بالمهارات اللي عنده، لأن ظروفكوا المادية وقتها ما كانتش تسمح بمركز خاص غالي. شريف كان بييجي المطعم ده مخصوص، ويقعد مع آدم بالساعات. كان بيمسك إيده، يعلمه ازاى يمسك المعلقة، يعلمه يجمع الأشكال، يقعد يرسم معاه بالساعات طويلة عشان يخليه يفرغ طاقته ويتحكم في توتره. كل المهارات اللي آدم اتعلمها والتحسن اللي شوفتيه عليه على مدار الـ 10 سنين اللي فاتوا.. ما كانش مجرد صدفة أو تدريب من مريم لوحدها..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *