صاحبه عمري
روماني مكرم
صوت طارق كان يتردد في الشقة كأنه فحيح أفعى: “فين العلبة يا إبراهيم؟ وفين مريم؟” صوت زوجي حاول أن يكون متماسكًا: “أنت تجرأت واقتحمت بيتي يا طارق؟ أخرج برة فورًا وإلا هطلب النجدة!” ضحكة ساخرة ومستفزة صدـ,,ـــرت من طارق، تلاها صوت صفعة قوية وسقوط جسد زوجي على الأرض بصوت مرتطم! صرخت مريم من وراء باب الغرفة المغلق، بينما اتسعت عيناي بالرعب. سمعنا صوت طارق يقترب من باب الغرفة التي نختبئ فيها، وقرع على الخشب ببطء مرعب:
“مريم… أخرجي يا حبيبتي. أخرجي واديني الحاجة اللي شريف سابها في المطعم، وأنا أوعدك إن محدش هيتأذى.. لا أنتِ، ولا صاحبك إبراهيم، ولا حتى الطفل المتوحد ده.” في هذه اللحظة، اقترب آدم مني، ومسك يدي بقوة. أخرج هاتفه المحمول الصغير من جيبه. كانت مفاجأة لي؛ لم أكن أعلم أنه يحمله. فتح شاشة الهاتف، وأراني رسالة نصية قديمة محفوظة على الجهاز منذ عدة أشهر، مكتوب فيها بخط شريف: “يا آدم.. لو طارق وصل لكم، في سلم طوارئ ورا شباك المطبخ ينزلكم على المنور الخلفي للعمارة.. اطلعوا منه على الشارع التاني بسرعة.”
بصيت لآدم بذهول وأنا مش مصدقة العقل والترتيب اللي كان شريف بيمهد له من سنين! سحبت مريم من يدها، وأشرت لها بالسكوت التام. تحركنا بأقدام حافية وبأقصى درجات الهدوء عبر الباب الداخلي للغرفة الذي يربطها بالمطبخ. فتحنا شباك المطبخ المجهّز بسلم حديدي قديم للمنور الخلفي. بدأت مريم بالتسلل أولاً، تلاها آدم بكل ثبات، ثم نزلت أنا خلفهما مباشرة. كانت المسافة مظلــ,,ـــــمة وصعبة، لكن الخوف من طارق ورجاله كان يدفعنا للأسفل بسرعة جنونية.
بينما نصل إلى أرضية المنور الخلفي، سمعنا صوت تحطم باب الغرفة فوقنا بصوت مدوٍّ، وصراخ طارق الغاضب وهو يكتشف أن الغرفة فارغة وأن العلبة الخشبية الموجودة على ترابيزة الصالة لم تكن سوى خدعة! خرجنا من الباب الخلفي للعمارة إلى الأزقة الضيقة المؤدية للشارع الرئيسي. كانت أيدينا ترتجف، والدموع تغطي وجوهنا، وأنفاسنا تتقطع. توقفت مريم وهي تلهث، وقالت بصوت خائف: “هنروح فين دلوقتي؟ طارق هيدور علينا في كل مكان، وجوزك إبراهيم محبوس عنده في الشقة!”
في هذه اللحظة، أخرج آدم الفلاشة والمفتاح النحاسي من جيبه، ونظر إليّ بعينين حادتين وقويتين وقال: “ماما.. المفتاح ده مش بيفتح خزنة طارق بس.. المفتاح ده بيفتح باب المزرعة القديمة اللي شريف محبوس فيها في طريق السويس. شريف قاللي لو طارق هاجمنا.. نروح المزرعة فورًا ونخرّجه، عشان هو الوحيد اللي معاه الباسورد بتاع الفلاشة دي!”
أدركت في تلك اللحظة أننا لسنا في موقف دفاع فقط، بل في سباق مع الزمن. إذا أردنا إنقاذ زوجي إبراهيم، وإحكام القبــ,,ـــــضة على طارق وإعادة شريف للنور، كان علينا اتخاذ القرار الأكثر جرأة وخطورة في حياتنا: الذهاب مباشرة إلى المزرعة المهجورة في منتصف الليل.