صاحبه عمري
روماني مكرم
مريم جرت ناحيتنا وصوتها بيلعثم: “أمل! إنتِ بتتأخري ليه؟.. إحنا.. إحنا يلا عشان نمشي، جوزك وآدم مستنيين في العربية!” بصيت لمريم بنظرة أول مرة تشوفها مني.. نظرة مليانة أسئلة، وشك، وصدمة. مريم لمحت النظرة دي في عيني، وفهمت فورًا إن الجرسونة حكتلي حاجة. أيديها بدأت تترعش أكتر، وخطت خطوة لورا وهي بتقول بصوت مبشوح: “أمل.. أرجوكي.. متصدقيش أي حاجة تتقال هنا.. المكان ده مش زي ما إنتِ فاكرة.. وأنا عملت كل ده عشان أحمي ابنك!”
وقبل ما أرد عليها أو أسألها عن شريف والظرف والسر اللي سايبه تحت الترابيزة، جيه صوت آدم من وراها. آدم كان واقف في الصالة، ماسك في إيده علبة خشبية صغيرة قديمة جدًا ومتربة، كان مطلعها من مكان مخفي تحت الترابيزة اللي كانوا بيقعدوا عليها طول السنين اللي فاتت. آدم بصلي بعينين صافية تمامًا، وبص لمريم، وقال بصوت واضح ومستقر لأول مرة في حياته: “ماما.. الأستاذ شريف قاللي أديكي العلبة دي لما أكمل 18 سنة.. عشان مريم خايفة، وبابا مش لازم يعرف اللي جوة.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
ساد الذهول المكان، واستقرت العيون كلها على العلبة الخشبية الصغيرة المتربة التي يحملها آدم بين يديه بثبات عجيب. مريم أول ما شافت العلبة في إيد آدم، صرخت بصوت مكتوم وحطت إيديها على بوقها، وركبتها خبطت في الترابيزة اللي جنبها وكادت تقع على الأرض. وشها كان منكمش من شدة الرعب، وعينيها رايحة جاية بيني وبين آدم وبين باب المطعم، وكأنها مستنية مصيبة تقتحم المكان في أي لحظة. جوزي، اللي كان واقف ورا آدم ومش فاهم أي حاجة من اللي بتدور، قرب منا بملامح مشدودة وقال بصوت حاد مليان حيرة:
“في إيه يا جماعة؟ مالك يا مريم مرعوبة كده ليه؟ وإيه العلبة دي يا آدم؟ جبتها منين؟” ما حدش رد عليه. الصمت كان أثقل من الحجر في الصالة البسيطة. مسكت إيد آدم بالراحة، وصوابعي كانت بتترعش وأنا بلمس الخشب القديم للعلبة. آدم بصلِي بثبات لأول مرة في حياته، نظرة مفيهاش أي توتر أو تشتت من نوبات التوحد اللي تعودت عليها. نظرة شاب واعي ومدرك لخطورة اللحظة. مريم قربت مني بخطوات سريعة وسحباني من دراعي بنشيج مكتوم، وهسست في ودني بصوت مبشوح مليان ترجي: